محمد أبو زهرة
1266
زهرة التفاسير
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّهِ . . . ( 31 ) [ الحج ] . وتحنف فلان أي تحرى طريق الاستقامة » . ووصفه عليه السلام بأنه حنيف يطلب الحق مستقيما في طلبه فيه بيان منافاة أخلاق اليهود والنصارى لأخلاقه وهديه ، فهم لا يطلبون الحق لذات الحق ، ولكن يطلبون هوى أنفسهم ، فإن يكن الحق لهم يأتوا إليه مذعنين ، وإن يكن الحق عليهم أعرضوا عنه وذلك لمرض قلوبهم . والوصف الثاني من أوصاف إبراهيم خليل اللّه أنه مسلم ، والإسلام هو الإخلاص لذات اللّه ، والمحبة والانصراف إليه سبحانه وتعالى ، حتى لا يعمر القلب بغير نوره ، وهذا أيضا وصف مناف لما كان عليه اليهود والنّصارى ، فإلههم هواهم ، ومحبتهم لأنفسهم لا للّه ، وإنما هي أعراض الدنيا أركست نفوسهم ، وأغلقت دون نور اللّه قلوبهم . والوصف الثالث : وصف سلبى ، وهو أنه كان غير مشرك ، وقد نفى اللّه سبحانه وتعالى عن خليله وصف الشرك بهذه الصيغة الجامعة فقال : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ولم يقل « وما كان مشركا » لأنها تتضمن نفى الإشراك كله وشوائبه عن إبراهيم عليه السلام ؛ فإن المشركين أصناف وألوان ؛ فمنهم من يعبد الأوثان ، ومنهم من يجعل للّه ابنا يعبد ، ومنهم من يجعل اللّه ثالث ثلاثة ، ومنهم من يتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، ومنهم من يتخذون وساطة بين العبد والرب ، وهكذا ، فما كان إبراهيم من أي صنف من هذه الأصناف . وفي ذكر هذه الصيغة السامية في نفى الشرك عن إبراهيم تعريض بين حالهم وما هم عليه من الشرك الظاهر ، فكيف يدعون الانتساب لإبراهيم عليه السلام ، وهم على ما هم من الشرك ، إنما الذين يعدون أولى الناس هم من قال اللّه فيهم : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي إن أشد الناس ولاية بإبراهيم وأجدرهم بالاتصال به ، للّذين اتبعوه ، وهذا النبي والذين آمنوا بهذا النبي ، فهم أصناف ثلاثة قد أكد سبحانه اتصالهم بإبراهيم بثلاثة